Saturday, September 26, 2009

على هامش أزمة الرئاستين الأخيرة في العراق: الحاجة إلى تعديل دستوري

على هامش أزمة الرئاستين الأخيرة في العراق: الحاجة إلى تعديل دستوري *
د. حميد الهاشمي
رغم عظم أحداث الأربعاء الدامي الإرهابية الأخيرة في بغداد، إلا أنها عكست تأزما ربما سيستمر إلى سنوات طويلة في العراق يتمثل في التشابك في صلاحيات كل من رئاسة الوزراء بشخص رئيسه، ومجلس السيادة بشخص رئيس الجمهورية. ولا يكاد الدستور العراقي الحالي يفك هذا الالتباس لسبب رئيسي هو أنه بني على أساس “تقاسم السلطة وتوزيع مصادر القرار ومحاولة ضبطه”.
أضف إلى ذلك طبيعة التراكم التاريخي والنفسي والصور النمطية لدى الساسة العراقيين خاصة والمواطنين عامة تجاه مركزية القرار التي تتمثل عادة بشخص رئيس الدولة على الأقل إن لم نقل دكتاتورية القرار. وفي هذه الحالة فإن هناك ضغطا نفسيا ذاتيا لدى شخص رئيس الجمهورية وأتباعه خاصة إذا ما كان يمثل طائفة أو إن تبوءه لهذا المنصب على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية. أو حتى إذا ما كان يمثل حزبه أو كتلته البرلمانية أو إذا ما كان اختياره وفقا لذلك. فما بالك والعملية السياسية أشد ما شابها من نقص أنها قد بنيت على أساس محاصصة عرقية- طائفية- حزبية في التشكيلات الرئاسية وتوزيع المناصب بل الأشد غرابة أن وصل الأمر إلى توزيع حصص تعيين السفراء على هذا الأساس.
وليت الأمر بني على أساس نتائج الانتخابات لكان أهون، في حين أن المفترض أن يكون توزيع المناصب “المهنية” خاصة والتي يعد منها حتى الوزراء على أساس الكفاءة والإختصاص.
وقد خلق هذا الإلتباس والإرتباك في تعدد مصادر القرار إلى ضعف ضبط إيقاع عمل التشكيلة الحكومية التي سميت “حكومة الوحدة الوطنية”. ذلك أن مواقف عدد من الوزراء يتبع مواقف أحزابهم وتياراتهم الحزبية التي يمثلونها، وبالتالي مصالح ومواقف تلك الأحزاب الفئوية بعيدا عن مصالح الوطن المشتركة. وطفت إلى السطح إشكاليات استدعاء بعضهم إلى البرلمان لغرض الاستجواب، وتقييم الأداء وتعرضهم للنقد وكشفهم لحساباتهم المالية وما إلى ذلك.
وهذا ينعكس سلبا على أداء الكابينة (التشكيلة الحكومية) وعملها ككتلة واحدة.
ومن غير المستبعد أن تجد بعض الوزراء يعمل بين هؤلاء كجاسوس أو يتسبب بعثرات للحكومة بغية إضعافها إن لم يكن إسقاطها لأغراض حزبية.
وعودة إلى نموذج تفجيرات الأربعاء الدامي، فإن موقف رئيس الوزراء تجاه سوريا المبني على أساس اعترافات الأشخاص المتورطين فيها، فإنه قد جوبه برد فعل غريب معارض من قبل مجلس الرئاسة، بحجة أنه “غير دستوري” وكان يتوجب أخذ رأي المجلس الأخير فيه؟؟
وإذا ما سارت الأمور على هذا الأساس فإننا سنشهد تباطؤا في اتخاذ القرار وربما خذلانا لمصالح ومشاعر الشعب العراقي عامة في أمور حساسة تهم أرواحهم وكرامتهم، ووحدة وسيادة البلد.
الحل الأفضل لهذه الشراكة في القرار هو تعديل دستوري يلغي مجلس الرئاسة أو مجلس السيادة ويحصر قرارات الحكومة التنفيذية المسؤولة عن أمن البلد وإدارته بمجلس الوزراء وشخص رئيسه، الذي لا يخضع لمحاسبة سوى من قبل البرلمان صاحب السلطة التشريعية، والقضاء الذي يفصل بين السلطات. أما المنصب السيادي الشرفي المتمثل برئيس الجمهورية والذي يختار وفقا لأصوات كتلته الانتخابية التي يفترض أن تكون قد حلت بالمركز الثاني مثلا أو نتيجة تحالفات مع كتل أخرى ولا ينظر لأي من المناصب على أساس عرقي أو طائفي بل حزبي سياسي وفقا لما تفرزه نتائج الانتخابات.
إن هذا المطلب لا ينتقص من شخص رئيس الجمهورية الحالي الرئيس جلال طلباني الذي يمتلك شعبية كبيرة بلا شك في أنحاء كثيرة من العراق وليس حصرا في كوردستان العراق، وليس انحيازا لرئيس الوزراء الحالي المالكي الذي تتصاعد شعبيته نتيجة اعتدال مواقفه التي باتت وطنية أكثر منها حزبية.
وإن تعذر التمييز والفصل بين الحدود والصلاحيات في المجلسين أو المنصبين، فلا بأس من أن تنتقل السلطة التشريعية إلى شخص رئيس الجمهورية بتعديل دستوري ليكون المعني بتشكيل الحكومة والمسؤول عنها ومن الممكن أن يخضع اختياره إلى انتخابات عامة تترافق مع الانتخابات البرلمانية أو منفردة. على غرار النموذجين الأميركي والفرنسي

*نشرت في موقع قناة الفيحاء بتاريخ:
17 September, 2009 04:38:00

Posted by Dr. Hashimi in 14:06:43 | Permalink | No Comments »