سؤال العنف في الشخصية العراقية
د. حميد الهاشمي*
هذا التساؤل الذي يثار باستمرار وخاصة عندما تبرز إلى الواجهة مشاهد العنف التي تقع بين الحين والآخر بين الأطراف المتنازعة على الساحة العراقية، سواء الداخلية منها أم الداخلية - الخارجية.
وتترى التحليلات بين الغث والسمين، بين العاطفية المبنية على إسقاطات الحب أو الكراهية، الغضب أو الاسترخاء، الاجتهادات الطائشة المبنية على انفعالات متأثرة بالمشاهد أو القصص المعروضة، أو ما مبني على أساس نعرة طائفية أو عرقية (ومعظم أصحاب هذا الاتجاه هم من غير العراقيين). ومنها ماهو مبني على أساس تأويلات وقوالب جاهزة وأحكام مسبقة تتعلق بالطبيعة البشرية مثلا أو الالتجاء إلى حوادث تاريخية مجتزأة لبعض مشاهير شعراء أو أدباء أو شخصيات تاريخية ويبنى على أثرها تفسير سؤال العنف في الثقافة العراقية.
ومع ذلك فهناك بعض ما كتب في هذا الموضوع وهو يلامس جوانب علمية ويصيب جزءا كبيرا من الحقيقة.
حري بنا أن نذكر هنا أن المجتمع العراقي ليس متفردا بظاهرة العنف هذه، بل هناك مجتمعات يشكل العنف سمة ثقافية بارزة في حياتها، وهناك حمامات من الدماء جرت وتجري في بقاع أخرى من العالم مثل اندونيسيا إبان أحداث تيمور الشرقية وما بعدها، وفي سيراليون وليبريا ورواندا، ويوغسلافيا وكولومبيا والهند وباكستان وغيرها. ورغم أن ما يجري من عنف في العراق لم يصل إلى درجة سفك الدماء تلك وان العنف فيه من نوع “قيمي” في الأغلب، وليس من النوع المبني على أساس العداء الطائفي أو العرقي أو الحرب الأهلية المنظمة.
كما أن شواهد السلب والنهب مثلا هي مناظر مألوفة في ظروف الحروب أو حالات الأزمات الاقتصادية. ولنا أمثلة فيما حدث في يوغسلافيا وفي لوس انجيليس في أميركا مثلا خلال الأحداث التي وقعت في بداية التسعينات من القرن الماضي وفي الأرجنتين في مستهل الألفية الثالثة، حيث نهبت الكثير من المحلات التجارية، وجرت محاولات لنهب البنوك والدوائر الرسمية. لكن العراق واقع تحت دائرة الضوء بسبب موقعه الجغرافي وعمقه الحضاري ودوره في التاريخ وثرواته المتعددة، وصلاته الوثيقة بجيرانه من دول الجوار أو دول العالم الأخرى.
عن أي عنف نتحدث؟
المقصود هنا بالعنف هو الممارسات السلوكية القاسية والتي تشكل سمات بارزة في الطابع العام للثقافة في بلد أو منظومة ثقافية لجماعة اجتماعية ما، وان هذه السمات السلوكية العنيفة تكون غالبا هي البديل في حل النزاعات والتخاصمات ومهما كانت درجة هذه المنازعات. وان هذه المنازعات تتسم بسهولة تطورها من النزاع السلمي البسيط إلى الطابع العنيف والمتسم بالوحشية في النيل من الخصم. وان هذه الحلول تكون في الغالب بديلة عن القانون الوضعي أو الشريعة الدينية أو العرف الاجتماعي، حيث الخروج السريع على وسائل الضبط الاجتماعي المتعارفة.
ولعل للمنظومة القيمية دور كبير في ضبط وتسيير وتوجيه مثل هذه الممارسات السلوكية. وبالحفاظ على ديمومتها في الغالب.
وطبقا لأبرز علماء الاجتماع في العراق والمنطقة العربية في القرن العشرين الدكتور علي الوردي، فإن للمفاهيم والقيم القبلية ذات الجذور البدوية الشائعة إلى حد كبير ولو بدرجات متفاوتة بين المناطق الجغرافية ومن الريف إلى الحضر والمدن تأثير كبير على سلوك وبناء شخصية الفرد العراقي خاصة والعربي عامة بما في ذلك ضبط سلوكه وطبيعة أفعاله وردود أفعاله وموجهاتها. (راجع معظم طروحات عالم الاجتماع العراقي د. علي الوردي في أغلب مؤلفاته، حيث يؤكد على تغلغل قيم البداوة في الشخصية العراقية).
ومعروف أن القيم البدوية تحمل جوانب سلبية كبيرة مثلما تحمل جوانب ايجابية. وقد ورد ذم الإعراب وهم البدو في القرآن الكريم كما هو شائع ” الأعراب اشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله” (التوبة 9 : 97 ). وبإمكان مجادل أن يقول، إن ذلك كان يمثل مرحلة تاريخية من حياة البدو أو الإعراب، ومن الظلم الآن أن يستمر هذا الحكم الذي كان مقصود به الأجداد وليس الأحفاد انطلاقا من باب “لاتز وازرة وزر أخرى”، أو أن هذا الحكم يأتي في باب الأحكام المسبقة والقوالب الجاهزة ضد “الآخر”، لكن الرأي الذي نرد به هو مقولة توينبي بان البداوة “حضارة جامدة”. ( Toynbeeفي الوردي: 1996 أ: ص 34)
وبالفعل فان المتأمل لحياة البادية يجدها لم تتغير لا من نواحيها المادية ولا غير المادية بالمقارنة مع عهودها الماضية وخاصة من محيطها الداخلي ، فالأزياء والمسكن وأدوات الطبخ ووسائل وأدوات الإنتاج ومصادر الرزق والمعيشة هي هي لم تتغير اللهم إلا بعض مدخلات الحضارة التي جاءتهم من خارج محيطها (البادية)، وقد تقبلها البدو لأنها ضرورية لهم مثل السلاح الشخصي الذي يحتاجونه على الدوام، وسيارة الحمل التي تساعدهم في تنقلهم المستمر. (الهاشمي: 2001)
ويرى الوردي أن “محور الثقافة البدوية أو طابعها العام يمكن إجماله بكلمة واحدة هي التغالب” (الوردي: 1996 ب، ص38) وذلك انطلاقا من كونها أحد المركبات والتي تحتوي خصالا أو سمات ثقافية والتي تتبع عادة في ألأنثروبولوجيا الثقافية كمنهج في دراسة المجتمعات.
ويضيف الوردي : ” أن مركبات الثقافة البدوية هي ثلاثة: 1- العصبية 2- الغزو 3- المروءة. والملاحظ أن طابع التغالب موجود في جميع هذه المركبات الثلاثة، فالفرد البدوي يريد أن يغلب بقوة قبيلته أولا، وبقوته الشخصية ثانيا وبمروءته أي بتفضله على الغير ثالثا.
ولا يقر الوردي بان البداوة مرحلة اجتماعية مرت بها جميع الأمم قبل دخولها في مرحلة الحضارة. ويتفق مع من يقول بان : ” البداوة ليست مرحلة ضرورية من مراحل التطور الاجتماعي، وليس من المحتوم على كل أمة أن تمر بها خلال تطورها عبر التاريخ. إن البداوة في الواقع نظام اجتماعي لا ينشأ إلا في الصحراء ، وهو لا يتغير أو يتطور ما دام باقيا فيها. ” (الوردي: 1996 ب، ص38).
وكتفسير موضوعي لسلوك البداوة هذا وتناقضه فإن البدوي يستخدم القوة والسلاح حسب اجتهاده في ظل غياب قواعد تحميه أو تفصل في قضاياه الخصامية أو تردعه، وان كانت هناك قواعد عرفية فهي عرضة للكسر وصعوبة التطبيق وذلك لاتساع مدى الصحراء وصعوبة تتبع الجاني. وان نوع التتبع والقصاص الذي سوف يتخذ سوف يكون حازما حيث يخضع لمزاج وحالة من يطبقه (الآخذ بالثأر) عادة. وهنا يتجسد دور الثأر كوظيفة ضبط اجتماعي في ظل قانون يشبه “شريعة الغاب”. بمعنى أن قيمة العرف تتدنى وخاصة في مثال الثأر كوسيلة ضبط اجتماعي كما ذكرنا وذلك بسبب غياب السلطة التنفيذية المحايدة.
وتحصيل حاصل فإن غياب القانون الوضعي أو ضعفه في منطقة أو بلد ما يوجد وسائل ضبط بديلة من اجل الحفاظ على النظام الاجتماعي فيه. وهكذا نطل العشيرة برأسها كل مرة يغيب فيها القانون في العراق لتأتي لنا بقوانينها الكيفية التي تحدثنا عنها في حالة البداوة.
ولا غرابة أن نرى أو نسمع ب” تجمع عشائر بغداد أو عشيرة فلان في بغداد” مثلا أو المدن العراقية الأخرى، وهو الأمر الذي ينبغي أن تخجل منه النخب المتعلمة والسلطات المعنية والمكلفة بحفظ الأمن في العراق عامة. حيث مدن ومراكز حضرية عمر بعضها آلاف السنين والآخر مئات السنين في الأقل ولا زالت تلوذ بالعشائر. وتطأطئ برأسك أحيانا عندما يسألك سائق تاكسي في بغداد أو غيرها من مدن العراق عندما يسألك: من أي أعمام أنت؟ !! أي من اي عشيرة أنت، والأمر لا يتعلق بعدم انتمائك لعشيرة أو جهلك بهذا النسب لكن السئ أن تكون هويتك على أساس العشيرة لا مركزك الاجتماعي أو العلمي أو انتماءك لمدينتك أو منطقتك مثلا. ولكن مهلا !! ما هو جواب من لم يعرف بعشيرته أو أن الانتماء العشائري بالنسبة له شئ سخيف ولا يعترف به؟
الأمر لا يشكل اختزالا لهويتك الوطنية أو المهنية مثلا إنما هو مؤشر ضعف الأمن بالدرجة الأولى بالنسبة للعراقيين على الأرجح لأنهم باتوا في مرحلة ما خاصة (سبعينات وثمانينات القرن الماضي) خارج هذا السؤال إطلاقا باستثناء بعض المناطق الغارقة في البداوة الحقيقية أو الريفية الشبه معزولة.
وفي حالة غياب الأمن ترسخ سلوك العنف بعمق ثقافي (بدوي) يجدر هنا التشديد عليه ويتمثل هذا في التشفي الكامل عند الثار أو الانتقام، حيث تزغرد فيه نساء ذوي المنتقم وينزعن سوادهن كإعلان عن إنتهاء الحزن على من يثأر لأجله.
ويرى مثل هؤلاء إن اللجوء إلى القانون لأخذ الحق ذلة وقلة حيلة. وبالتالي فإن أمر التعبير عن الاحتجاج بالوسائل السلمية مثلا هو أبعد ما يكون ناجم عن الإيمان به، وإذا ما استخدمت هذه الطريقة (التظاهر سلميا) فهو يكون بصيغة إظهار التحدي وإنذار الآخر، وغالبا ما شهدنا خلال المظاهرات التي تخرج إلى الشارع العراقي، وخاصة تلك الموجهة ضد قوات الاحتلال من يحمل السلاح، ويطلق الرصاص أو يستخدم أساليب عنيفة في التعبير عن مطالبه، بل يتهئ للمظاهرة وكأنه خارج لمعركة. ولعل لإرث الدكتاتورية في العراق دور في هذا حيث كان إطلاق الرصاص الحي هو الرد على كل مظاهرة تخرج ضد النظام السابق.
وقد تزاوجت هذه القيم مع ظروف عسكرة المجتمع العراقي والتي تركت تراثا من أساليب وثقافة الإخضاع بالقوة وما يترتب عليها من أساليب استخدام منطق القوة. والطريف هنا ان يكون العراق قد شهد أول أشكال التجنيد الإجباري في التاريخ وذلك في عهد الملك البابلي حمورابي الذي حكم للفترة (1792ق.م - 1750ق.م)، وان العراق شهد أول أشكال التجنيد الإجباري في الإسلام في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي (فترة حكمه 694 م- 714 م)، وفي العصر الحديث كان التجنيد الإجباري مبكرا في المنطقة قد سن في العراق أيام حكم الوالي العثماني مدحت باشا (حكمه 1869م-1872م)على بغداد، وان أول انقلاب عسكري في المنطقة قد وقع على يد بكر صدقي في عام 1936. ومن ثم توالي الانقلابات العسكرية (1958، 1963، 1968). وحروب العراق المتعددة (1980-1988 ضد إيران، 1990 غزو الكويت، 1991 ضد التحالف الدولي، حصار متعدد الأطراف والأشكال من عام 1990 إلى 2003، حرب عام 2003) هذا إضافة إلى الحروب الداخلية ضد الأكراد في الشمال والعرب في الجنوب ضد السلطة المركزية في بغداد.
وقد شهدت مرحلة هذه الحروب عسكرة متصاعدة بكل مايعنيه مفهوم عسكرة المجتمع وما يترتب عليها من تسلح وإفراغ خزينة الدولة واستدانة من دول مختلفة وتجييش لمختلف فئات الشعب (راجع بحث حميد الهاشمي : عسكرة المجتمع العراقي - رؤية انثروبولوجية في مظاهرها وآثارها السلبية: مجلة علوم انسانية الالكترونية http://www.ulum.n/ ، العدد السابع، آذار - مارس 2004)
ومن ابرز تداعيات عسكرة المجتمع العراقي في مجال سلوك العنف في الشارع العراقي هي توتر المزاج العام للمجتمع وسرعة الاستثارة بسبب الحالة العسكرية. وثقافة العنف والقتل التي تشبع بها الشباب جراء تعايشهم مع الحروب والتنازع وأسلوب استخدام القوة واستعراضها.
كما أن لكثرة الانقلابات العسكرية التي شهدها العراق أو التناوب بالقوة بين موازين القوى المتعاقبة، خلقت ثقافة الانتقام والاستئثار.
ومما لا يخفى أيضا أن إخضاع الناس بالقوة وبالترهيب، وطول أمد هذا الاضطهاد، كرس هستيريا الانتقام التي نراها على شاشات التلفزيون أحيانا، حيث يقفز البعض وبينهم أطفال للأسف على جثث الضحايا في عمليات العنف التي يشهدها العراق اليوم.
والشئ المهم الآخر هو أن منطق عدم التوازن في القوة بين الأطراف المتحاربة أو أسطورة القوة لدى الآخر (الأميركان)، هو أحد الدوافع الرئيسية لهذه المشاهد، حيث أن الطرف الضعيف لم يكد يصدق ما رآه من أنه قد اوقع كل هذا الضرر بالآخر (قتل مجموعة من أفراده وإحراق مركبتهم مثلا أو إسقاط طائرة مروحية ..الخ).
وعليه فإن تلاقح القيم البدوية مع مفاهيم العسكرية إضافة إلى النقاط الأخرى المضافة أظهر لنا نماذج سلوكية تتسم بالعنف في ظل غياب القانون أو ضعفه، يعني ذلك في كثير من الأحيان الجهل بالنصوص الدينية وتأويلها وفق أغراض ومصالح ضيقة تدار من خارج العراق في اغلب الأحيان. وقد أصبح العراق ساحة حرب لأطراف كثيرة من خارجه وميدان تجارب لأسلحة بما فيها أسلحة الإعلام التي تريد مكاسب شخصية أحيانا.
دور الإنتلجنسيا العراقية في التصدي لظاهرة العنف:
لعل من ابرز المهام التي تقع على عاتق النخبة العراقية هي إشاعة ثقافة التسامح وسيادة القانون، ونبذ العنف بكافة أشكاله، واستبدال النزاع المسلح بالنزاع السلمي الذي يأخذ أشكال التنافس الأخرى من قبيل اللجوء إلى الورقة الانتخابية وطاولة الحوار ويتطور هذا من خلال قيام تنظيمات حزبية ومنظمات ونقابات مهنية وتيارات فكرية تساهم في عملية استلام السلطة في العراق وتحقيق استقلاله التام.
وفيما يتعلق بدور النخبة المتعلمة والمثقفة خاصة عملية ترسيخ دولة القانون وتحقيق سيادتها هيبتها، يجدر هنا الإشارة إلى دور المفكرين على مر التاريخ ابتدءا من سبارطة في إشاعة السلم حيث كانت سبارطة ” أكثر المدن صراعاً وقتذاك والتي كانت تعيش موجة عنيفة من الاضطرابات السياسيّة، ونتيجة لهذه الصراعات نتجت حالات كثيرة من التصفيات الجسدية. (…) وفي ظل هذه الفوضى برز مفكرون حاولوا التأكيد على سيادة القانون على الجميع وأنه مبدأ فاعل في تنظيم المجتمع وأن الجميع ملزمون بإحترامه لأنه الضامن الوحيد لحياة سليمة، وقد تبنى هذه الدعوة رجال السياسة لليونان الكبرى من أمثال: تيتري )من أهل أسبارطة) وصولون من أهل أثينا، وزالوكوس من أهل لوكريس سنة 663 ق.م، وخارونداس من أهل كاتان سنة 036 ق.م، و دراكون سنة 126 ق . م حتى صرح هيرودوت في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد بقوله - لا سيد علينا إلا القانون - وثلّة من الفلاسفة الكبار مثل فيثاغورس وهرقليطس وبقوله : - على الشعب أن يقاتل من أجل القانون كما يقاتل من أجل سور المدينة- . وأرسطو بقوله : - ليس هنالك من نظام يمكن تصوره خارج القانون- . وعلى كلّ حال فقد حاول جميع هؤلاء القيام بنهضة جريئة وعملاقة في تلك الأجواء الخانقة وأن يفرضوا تشريعاً عاماً على جميع المواطنين يحكم أصول الترافع لدى الجهاز القضائي وحفظ الحقوق الخاصة مثل الحقوق الأسرية والروابط الإجتماعية وأن ينظموا الاختصاصات التقليدية للمحاكم الموجودة بتنسيق صلاحياتها وأن يقيموا في النهاية ضرباً من التوازن بين الطبقات الإجتماعية المهمة بتوزيع المواطنين توزيعاً أكثر تناسباً في داخل هذه الطبقات وكذا الأعباء المدنيّة والمسؤوليات السياسّية”. (http://www.al-asfoor.net/books/drasat-bohouth/syasa.htm)
وعلى النخبة المثقفة في العراق توجيه دفة الحكم المقبل باتجاه تأسيس قيم وتقاليد بل ممارسات فعلية للديمقراطية وتنميتها من خلال المؤسسات التعليمية وإفساح المجال لمؤسسات المجتمع المدني لان تلعب دورا كبيرا في ذلك. تلك القيم التي تبنى على أسس مغايرة إلى حد كبير لما هو سائد من قيم العنف والتعسف ومصادرة الآخر والتي ساهمت الديكتاتورية وعسكرة المجتمع في ترسيخها في الذهنية والممارسة الحياتية للمواطن العراقي. وعليه مطلوب مراجعة شاملة وباستمرار لهذه المنظومة القيمية ورصدها ومحاولة التأثير فيها في العمق، وان الحلول هنا ليست طوباوية بل هناك آليات تكفل النتائج المرجوة إلى حد كبير.
ومن هذه اللآليات:
محاولة تفكيك البنى القبلية ومفاهيمها ومنظومتها السلطوية، وذلك بمحاولة اختراقها عن طريق تحرك الأحزاب لكسب الأفراد القبليين وخاصة ذوي النفوذ منهم ويجدر هنا الحذر من قبلنة (نسبة إلى القبيلة) الأحزاب، بل الهدف هو جعل ولاءات المنتمين للأحزاب وهو ميكانزم هام يحقق هدفا مزدوجا يتضمن إضافة إلى ما ذكر ضمان أصوات أكثر حين تدق ساعات الحسم والاحتكام إلى الورقة الانتخابية بدلا من رصاص البنادق.
رسم خطط لتنمية شاملة تتضمن جوانب الحياة العديدة ومنها الاقتصادية من اجل إنقاذ الشباب من الوقوع في حبائل الحركات الإرهابية والمتطرفة التي تغذي دائرة العنف.
إلزامية التعليم ومدها إلى مرحلة عمرية معقولة (16 سنة) مثلا ولكلا الجنسين وعدم التهاون في تطبيقه، وسن قوانين تجرم العنف بأنواعه ومنه (العنف القيمي) أن صحت العبارة وهو العنف الأسري أو القرابي والقائم على قواعد وقيم قبلية تتعلق بغسل العار والثأر واستخدام العنف تجاه الزوجة والأبناء بحجة التربية مثلا وغيرها.
كما ويتطلب الحذر الشديد إزاء إقحام الجيش في السياسة أو تدخله، وعليه فإننا بانتظار مواثيق شرف يعلنون فيها التزامهم بالابتعاد عن التدخل في السياسة. أما فيما إذا رغبوا ذلك فعليهم نزع البدلات العسكرية والتقدم كمدنيين وطرح مشاريعهم ومشاركاتهم بطريقة ديموقراطية.
إن العراق اليوم على أعتاب مرحلة تتطلب البناء على قواعد علمية وقيم العدالة الاجتماعية والديموقراطية. ولا يتحقق ذلك دون جهود وتضحيات كبيرة مبنية على أساس من محاولة نسيان الماضي وأزماته والاستفادة من تجارب الأمم الكبرى التي نهضت من حطام الحروب وويلاتها وبنت أمجادها بجهود أبنائها وهي ليس ببعيدة عنا ومنها كل من ألمانيا واليابان اللتين خسرتا الحرب العالمية الثانية عام 1945، وكسبتا مستقبلا أفضل لشعبيهما معلنتين نزع البدلة العسكرية وارتداء اللباس المدني أو لباس العمل والذي جعلهما أكثر مهابة واحتراما الآن.
* د. حميد الهاشمي، أكاديمي وباحث أنثروبولوجي عراقي مقيم في هولندا
المراجع:
القرآن الكريم، سورة التوبة.
الهاشمي، حميد: 2001: الدكتور علي الوردي رائد الدعوة لعلم الاجتماع العربي، بحث منشور في مجلة شؤون اجتماعية الإماراتية، العدد 70، ص ص 157-164.
الهاشمي، حميد: عسكرة المجتمع العراقي رؤية انثروبولوجية في مظاهرها وآثارها السلبية: بحث منشور في مجلة ” علوم انسانية” الالكترونية http://www.ulum.nl/ : العدد 7 ، آذار- مارس 2004.
الوردي، علي: 1996: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، طبعة إيران (انتشارات المكتبة الحيدرية)، قم .
Toynbee, Arnold: Study of History: Smervell Abridgement, vol. 1, p. 164 في، الوردي: 1996: في الطبيعة البشرية: دار كوفان: لندن، ص34.